الثعلبي
73
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
خواء زمانا خربة مواتا لا عمران فيها وكان لها رب حكيم قوي ، فأقبل عليها بالعمارة وكره أن تخرب أرضه فأحاط عليها جدارا وشيّد فيها قصرا وأنبط نهرا وصنف فيها غراسا من الزيتون والرمان والنخيل والأعناب وألوان الثمار كلها ، وولى ذلك واستحفظه قيما ذا رأي وهمة ومتعة حفيظا قويا أمينا وأنتظرها فلما أطلعت جاء طلعها خروبا قالوا : بئست الأرض هذه ، نرى أن يهدم جدارها وقصورها ويدفن نهرها ويقبض قيّمها ويحرق غرسها حتّى تصير كما كانت أول مرة خرابا مواتا لا عمران فيها . قال الله لهم : فإن الجدار ذمتي وإن القصر شريعتي وإن النهر كتابي وإن القيّم نبيّ وإن الغرّاس هم وإن الخروب الذي أطلع الغراس أعمالهم الخبيثة وإني قد قضيت عليهم قضاءهم على أنفسهم ، وإنهم مثل ضربه الله تعالى لهم يتقربون إليّ بذبح البقر والغنم وليس ينالني اللحم ولا أكله ، ويدعون أن يتقربون إليّ بالتقوى والكف عن ذبح الأنفس التي حرّمتها فأيديهم مخضوبة منها ، وثيابهم متزملة بدمائها ، يشيدون لي البيوت مساجدا ويطهرون أجوافها وينجسون قلوبهم وأجسادهم ويدنسونها ، فأي حاجة إلى تشييد البيوت ولست أسكنها ، أم أي حاجة إلى تزويق المساجد ولست أدخلها إنما أمرت برفعها لأذكر فيها وأسبّح ولتكون معلما لمن أراد أن يصلي فيها ، يقولون : لو كان الله يقدر على أن يجمع ألفتنا لجمعها ، ولو كان الله يقدر على [ أن ] يفقّه قلوبنا لفقهها فأعمد إلى عودين يابسين ، ثمّ ائت بهما ناديهما في أجمع ما يكونون فقل للعودين : إن الله يأمركما أن تكونا عودا واحدا ففعل ، ذلك في مجلسه اختلطا فصارا واحدا ، فقال الله لهم : إني قد قدرت على أن أفقه العيدان اليابسة وعلى أن أؤالف بينهما فكيف لا أقدر على أن أجمع إلفهتم إن شئت ، أم كيف لا أقدر على أن أفقّه قلوبهم وأنا الذي صورتها . يقولون : صمنا فلم يرفع صيامنا وصلينا فلم تقبل صلاتنا وتصدقنا فلم تزك صدقاتنا ، ودعونا بمثل [ حنين الحمام ] وبكينا مثل عواء الذئب في مكان ذلك لا نسمع ولا يستجاب لنا قال الله : فاسألهم ما الذي يمنعني أن أستجيب لهم ، ألست أسمع السامعين وأبصر الناظرين وأقرب المجيبين وأرحم الراحمين ؟ الآن ذلّت يدي ؟ قلت : كيف ويداي مبسوطتان بالخير أنفق كيف أشاء ومفاتح الخزائن عندي لا يفتحها غيري أو لأن رحمتي ضاقت فكيف ورحمتي وسعت كل شيء ، إنما يتراحم المتراحمون بفضلها أو لأن [ البخل يعتريني ] أو لست أكرم الأكرمين والفتاح بالخيرات ؟ أجود من أعطي وأكرم من سئل لو أن هؤلاء القوم نظروا لأنفسهم بالحكمة التي نورت في قلوبهم فنبذوها واشتروا بها الدنيا إذا لأبصروا من حيث أتو وإذا لأيقنوا أن أنفسهم [ هي ] أعدى العداة فيهم ، فكيف أرفع صيامهم وهم يلبسونه بقول الزور [ ويتقوون ] عليه بطعمة الحرام ؟ وكيف أنور صلاتهم وقلوبهم صاغية إلى من يحاربني وينتهك محارمي ، أم كيف تزكوا عندي صدقاتهم ؟ وهم يتصدقون بأموال غيرهم وإنما أؤجر عليها أهلها المغصوبين ، أم كيف أستجيب لهم دعاءهم ؟ وإنما هو قول بألسنتهم